الخنفشاريون..!!

صحيفة القرى اليوم :
01:21 PM - الأحد 25 - محرم - 1442 هـ | 13 - سبتمبر - 2020 م

فاصلة: "إن خروج الإنسان عن سجاياه وانفصاله عن طباعه العقليّة والنفسيّة أمر يفسد على الإنسان حياته ويثير الاضطراب في سلوكه، ويصبح أضحوكة الصّغير والكبير!!"
يُحكى أنّ رجلاً كان لا يدعُ شاردةً ولا واردةً إلا و يُدلي بدلوه فيها، فاتفق أصحابه على فضحه أمام النّاس وبيان جهله وكذبه وزيفه، فشكّلوا كلمة ً لا أساس لها من الصّحة، ولا وجود لها في واقع الحياة، ولا في كتب اللغة، أسموها (خنفشار).
وعندما أزف وقت تعريته وكشف ادعاءه الباطل سألوه على حين غرة عن معنى هذه الكلمة، وهو يزهو في فرح شديد، فقد احتاجه القوم وقصدوه وراموا إليه، فسوّلت له نفسه والنّفس أمارة بالسّوء أنهم بعلمه مقتنعون، وبه مستنيرون، وبسعة اطلاعه مسلِّمون وواثقون؛ فقال وهو في قمة نشوته واغتباطه: الخنفشار نباتٌ طيبُ الرائحة ينبت في اليمن، وهو نباتٌ له خاصيّة عقد الضّرع لدى البهائم، فإذا أكلت البهيمةُ منه انعقد ضرعها فلم يجر حليبها لأيام.
قال مقولته حول مدلول تلك الكلمة؛ ولكنّه لم يكتف بذلك؛ بل زادهم تأكيدًا واستشهادًا، فلفّق بيتًا من الشّعر لشاعر لا وجود له إلاّ في مخيلته فأنشد:
لقد عقدتْ محبتكم فؤادي
كما عقدَ الحليبَ الخنفشارُ
إنّ أيّ مجتمع لم يبتل (ببلوة) أكثر من (بلوة) مدعي المعرفة والهرطقة على خلق الله، حتى غدا الواحد منهم يكذب الكذبة في الصّباح ويصدّقها في المساء، ألم يدرك أمثال هؤلاء أنّ الصّمت في أحايين كثيرة بلاغة العارف، وصنو العاقل، ورباط العقل.
يصادفك الكثير من أمثال صاحب القصة التي دوّنها سلفًا، وتحار حيال ما يمكنك فعله وأنت تتميّز غيظًا، بكتم أنفاسك وقد يخالطك شيء من الحنق، هذا إذا لم يسبق غيظك وحنقك ضحكة مدوية، أو ابتسامة تغالبها وتغالبك.
وقد تتمادى في استثارة أمثال هؤلاء ومن لفّ لفهم لترى كم خلق الله من الكذّابين والخنفشاريين، وتنظر إلى المسألة نظرة نفسيّة، فتبدأ في التحليل والتخمين، وكيف لا..؟ وهذا حال الكثير ممن يتربّع المجالس ومواقع التواصل، وعلى مدونات "تويتر"، و"الفيس بوك" وما شاكلها؛ فإنْ تحدّث القوم في السياسة كان السياسي محللاً، وإن تحدّث القوم في شؤون الثقافة أو الإعلام، كان مجددًا ومبدعًا، ظنًا بنفسه المريضة أنّه جاء بما لم يقله الأولون والآخرون، وإن تحدث القوم في مسائل الرياضة، شمّر عن ساعديه وفتح ما بين فكيه ناقدًا تارة، ومحللاً تارة أخرى، فهو على الدوام تحت الطلب..!! فإن سألته سؤالاً عن مسألة من مسائل الحياة، أو أشكل عليك مشكل في شؤون العامّة والخاصّة تراه حاضرًا يخرج من بين فكيه ما أعقد الألسنة عن قوله.
ولم يكتف هذا النمط من البشر بتحليل المسائل وتفتيت القضايا؛ بل احترف البعض منهم الكذب والكذب من العيار الثقيل، واستحلى الخنفشارية وتمادى في غيّه حتى أضحى المستمع في حيرة من أمره.
بل وصل حال بعضهم إلى التطاول على الله ورسوله، فأقحموا خنفشاريتهم في مسائل الدين؛ فإن كان الحديث عن شأن ديني جلس جلسة المفتي، فكانت الفتوى حاضرة، إما بالتحريم، أو بالتحليل، وإن عرضت أية كريمة تصدّر القوم ففسّر وأوّل وقال بما لم يقل به المفسرون قديمًا أو حديثًا، فتأخذك غيرتك الدينيّة وتهم أن تصفعه وتبصق في وجهه وقفاه.
إنني أهمس في أذن كلّ من هو على شاكلة صاحب القصة أعلاه بأن يترفّع بنفسه عن سوءات الأقوال؛ لأنّ خروج الإنسان عن سجاياه وانفصاله عن طباعه العقلية والنفسية أمر يفسد على الإنسان حياته ويثير الاضطراب في سلوكه، ويصبح أضحوكة الصغير والكبير!!





أضف تعليقك
  • عزيزي القاري : ابتعادك عن التجريح والاساءة يساعدنا على نشر تعليقك
  • إرسال
جديد الفيديو
أخر التغريدات

صحيفة الكترونية سعودية هدفها السبق في نقل الحدث بمهنية ومصداقية خدمة للوطن والمواطن


التعليقات والمقالات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لصحيفة (القرى اليوم الإلكترونية ) بل تمثل وجهة نظر كاتبها

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة القرى اليوم الإلكترونية © 2013