الحنين إلى الوطن

صحيفة القرى اليوم :
01:01 AM - الاثنين 23 - محرم - 1441 هـ | 23 - سبتمبر - 2019 م

لا شك أن الحديث عن الوطن حديثٌ ذو شجون تتجلى فيه الكثير من القيم كالوفاء والحنين والانتماء والحب بصفاء..
لعلي هنا اتساءل :
لماذا كل هذا الحنين والأشواق في قصائد شعراء عاشوا بعيداً عن أوطانهم؟!
رغم أنّ الكثير منهم تغيرت حياته في بلاد الغربة للأفضل سواءً من ناحية علمية أو اقتصادية أو غير ذلك.
إلّا أنَّ حنينهم لأوطانهم ظهر جليّاً في أشعارهم..
فعبدالرحمن الداخل الذي غادر بلاد المشرق بعد أن فقد كل جميل فيها..
دخل الأندلس وأقام دولة عظيمة وحضارة لا يستهان بها..
يملك دولة لا يضاهي جمال طبيعتها جمال..
وأمام كل ذلك ما الذي حدث عندما رأى ذلك الملك الشرقي العظيم نخلة برصافته؟
وهي تقف شامخة وحيدة بين آلاف الأشجار الأخرى ..
لقد أثارت حنينه لوطنه فكلاهما هناك غريب..
فما لبث أن قال :
تبدّت لنا وســـط الرصافة نخلةٌ..تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت شبيهي في التغرّب والنّوى..وطول اكتئابي عـن بنيَّ وعن أهلي
نشأت بأرضٍ أنت فيها غـريبةٌ..فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
لقد ملك كل شيئ في الأندلس إلّا قلبه ، ويظهر ذلك في قوله:
أيّها الراكب المُيَمِّمُ أرضـي ... اقـرِ منّي بعض السلام لبعضي
إنّ جسمي كما علِمتَ بأرضٍ ... وفــؤادي ومـالكيه بأرض
وقد كان الوقوف على الأطلال وبكاءُ الديار وأهلِها ميزة ظاهرة في قصائد العرب قديماً ، واستمر ذلك ولم ينقطع لما للحنين للوطن وأهله وللذكريات فيه من أثرٍ عميق.
وأشهرها مطلع معلَّقة امرؤُ القيس التي قال فيها:
قِفَا نَبْكِ من ذكرى حبيب ومنزل..بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضحَ فالمقراةِ لم يعفُ رسمـها..لمــا نسجتها من جنوبٍ وشمأل
عزيزي القارئ:
هل مازلت تتساءل الآن لماذا كل هذا الحنين إلى الوطن لدى أولئك..
لقد أجاب بعضهم بالتالي :
"وكان الناسُ يتشوّقون إلى أوطانِهم، ولا يفهمون العلِّةَ في ذلك، حتى أوضحها علي بن العباس الرّومي في قصيدةٍ لسليمان بن عبد الله بن طاهر يستَعدِيه على رجل من التجَار، يعرف بابن أبي كامل، أجبَره على بَيْع داره واغتصبه بعض جُدرها، بقوله" :
ولـــي وطنٌ آليتُ ألَّا أَبيعهُ .. وألاّ أرى غيري لهُ الدهر مالِكا
قد ألِفَـته النفـسُ حتى كأنهُ ... لها جَسَدٌ إن بانَ غُودِرَ هالـكا
كما أنَّ البعض أعاد ذلك لسببين اثنين ومرحلتين مهمتين من مراحل حياة الإنسان مرحلة الطفولة بما فيها من ذكريات ومرحلة فتوة الشباب بما فيها من تغيرات..
وحول ذلك قال الشاعر :
ذكرتُ بلادي فاستهلَّت مَدَامِعي..بشوقي إلى عَهْدِ الصبا المتقادِمِ
حَنَنْتُ إلى أرضٍ بها اخضرّ شاربي..وقُطِّـع عني قَبل عقد التمائم
أمَّا الحنين إلى وطن لا تعرفه ولم تسكنه فلعل أصدق مثال عليه هو الحنين لمكة والمدينة كما قال الله _عز وجل _في كتابه على لسان إبراهيمَ عليه السلام :{ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} إبراهيم37
وقد قال الشاعر محمد إقبال وهو في طريقه لمكة لأولِّ مرّة :
أشواقنا نحــو الحجاز تطلعـت.. كحنـين مغتـرب إلى الأوطانِ
إنَّ الطيور وإن قصصت جناحها.. تسمو بفطرتها إلى الطيرانِ
وقدْ يحدث عندما يعُود الإنسان إلى وطنِه بعد فراقٍ طويلٍ، أن تمتزج  أطلال العودة مع ذكريات الهجرة القديمة ، فيناجي وطنه قائلاً:
وطنَ النجومِ، أنا هُنا، حدّقْ.. أتذكُرُ مَن  أنا؟
ألمحتَ  في  الماضيْ  البعيدِ  فتًى  غريراً  أَرعنَا؟
جذلانَ  يَمرحُ  في  حقولكَ  كالنّسيمِ  مُدندِنَا
أنا  ذلكَ  الوَلَدُ  الّذي  دُنياهُ  كانت   ههُنَا!
أنا مِن مِياهكَ قطرةٌ فاضتْ جداولَ  مِن  سَنا
أنا مِن تُرابكَ ذرّةٌ  ماجتْ  مواكبَ  مِن  مُنَى
أنا  مِن  طيوركَ  بُلبلٌ  غنّى  بمجدكَ   فاغتنَى
حمَلَ الطّلاقة  والبشاشةَ  مِن  ربوعكَ   للدُّنا
كم عانقتْ روحِيْ رُباكَ وصفّقتْ في المُنحنَى
أعتقد أن جمال كل هذه التجليات في شعر الحنين إلى الوطن مردها للقيمة الكبيرة والعميقة للوطن في نفوس أولئك الشعراء رغم البعد..
ختاماً: للوطن قيمة كبيرة في قلب الإنسان وتزيد هذه القيمة إذا كان مهبط الوحي ومهد خاتم الرسالات على مبلّغها أفضل الصلوات..
دمتم بخير.. وكل عامٍ ووطني في القِمَّة

بقلم : إبراهيم سعيد بخروش





أضف تعليقك
  • عزيزي القاري : ابتعادك عن التجريح والاساءة يساعدنا على نشر تعليقك
  • إرسال
جديد الفيديو
أخر التغريدات

صحيفة الكترونية سعودية هدفها السبق في نقل الحدث بمهنية ومصداقية خدمة للوطن والمواطن


التعليقات والمقالات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لصحيفة (القرى اليوم الإلكترونية ) بل تمثل وجهة نظر كاتبها

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة القرى اليوم الإلكترونية © 2013